قراءة في التقرير السنوي 2025 لجمعية ملاك المطاعم والمقاهي
التجارة لم تكن يوماً نشاطاً فردياً.
حتى في أبسط صورها التاريخية، كانت قائمة على الاجتماع والثقة وتبادل المعرفة. ولهذا بالضبط وُجدت الخانات في المدن الإسلامية القديمة. لم يكن التاجر يبيت فيها ليستريح فحسب، بل ليسمع ويسأل ويقارن. كانت مركز المعلومة قبل أن تكون مكان الإقامة.
فلا بدّ من اجتماع القدر الكثيرة… فيحصل بالتعاون قدر الكفاية
اليوم، هذه الفكرة ذاتها تعيش من جديد، لكن بصيغة مؤسسية لم تكن موجودة من قبل.
حين يسمع أحدهم عن مجتمعات اقتصاديات الأعمال التابعة لجمعية ملاك المطاعم والمقاهي، ينصرف ذهنه مباشرة إلى قروبات واتساب. وهذا تصور أصغر من الحقيقة بكثير.
ما يكشفه التقرير السنوي للجمعية هو منظومة متكاملة تضم 18 مجتمعاً متخصصاً يجمع أكثر من 6,500 مستثمر في القطاع، أنتجت حتى الآن أكثر من 1.5 مليون محتوى منشور. هذا الرقم وحده يقول شيئاً: هذه ليست مساحة للشكوى والتنفيس، بل مساحة إنتاج معرفي حقيقي ومستمر.
والأهم من ذلك أن المجتمعات نفسها متخصصة: كل مجتمع له جمهوره وأجندته ونقاشاته الخاصة. فعلى سبيل المثال:
ما يميز هذه المنظومة عن أي مجموعة إلكترونية أخرى هو امتدادها خارج الشاشة. الجمعية تنظم أكثر من 750 لقاءً سنوياً حضر فيه أكثر من 30,000 شخص، وتراكمت قيمتها الاقتصادية إلى أكثر من 5 ملايين ريال.
وهذا كله قبل أن نتحدث عن الفعاليات الموسمية: شتوية الضيافة، صيف الضيافة، حفل ملتقى الضيافة السنوي.
ما يحدث داخل هذه المجتمعات لا يبقى داخلها. الجمعية تحول النقاشات إلى معرفة منظمة. أصدرت ثلاث دراسات متخصصة تجاوزت مشاهداتها الإجمالية 3 ملايين مشاهدة. وأصدرت 10 تقارير متخصصة بأكثر من 70,000 مشاهدة.
دراسة اتحاد الغرف التجارية تكشف بأرقامها أن الوعي ببرامج الدعم والحوافز الحكومية لا يزال (محدوداً لدى بعض أصحاب المنشآت). دراسة الجمعية ذاتها أكدت الشيء نفسه من زاوية أخرى. هذا يعني أن الدور المعرفي لهذه المجتمعات لا يكمّل الدور الحكومي فحسب، بل يسد فجوة حقيقية.
ربما هذا هو الجزء الأقل ظهوراً والأعمق تأثيراً. الجمعية أطلقت منصة الشراء الموحد بالتعاون مع شركة سول، وهي منصة رقمية تربط المطاعم والمقاهي بالموردين المعتمدين، وتُمكّن الأعضاء من الاستفادة من قوة الشراء الجماعي. بمعنى آخر: منشأة صغيرة واحدة لا تستطيع التفاوض على سعر المورد، لكن 6,500 منشأة خلف ظهرها يغيّران المعادلة تماماً.
الجمعية لا تمثل جمعاً عشوائياً من الأشخاص. تقريرها السنوي يكشف أن أعضاءها يمثلون:
لن يكون صادقاً القول إن هذه المجتمعات ترفع المبيعات مباشرة. لا تفعل ذلك.
لكنها تؤثر على ما هو أعمق: جودة القرار، وسرعة التعلم، وتقليل الخسائر القابلة للتفادي، وقوة التفاوض الجماعي، وترسيخ المعرفة المؤسسية في قطاع كثيراً ما يُعمل فيه بحدس وتجربة شخصية. ودراسة الجمعية ذاتها أثبتت أن 68% من دوافع ترك العاملين لوظائفهم ترتبط بعدم الشعور بالتقدير. هذا نوع من المعرفة لا تجده في كتاب، لكنك تسمعه من صاحب مطعم جرّب ووثّق.
هذا اعتراف رسمي بأن ما يُبنى هنا لا يُكمّل دور الجهات الحكومية فحسب، بل يُنتج قيمة لا يستطيع أي طرف آخر إنتاجها منفرداً.
مجتمعات اقتصاديات الأعمال ليست قروبات واتساب. هي منظومة معرفية ومؤسسية متكاملة تقوم على: 18 مجتمعاً متخصصاً، وأكثر من 750 لقاءً سنوياً، ودراسات ميدانية، وتقارير معرفية، ومنصة شراء جماعي، وحضور إعلامي يتجاوز 10 ملايين ظهور، وأكثر من 20 اتفاقية استراتيجية.
ما يُبنى هنا ليس شبكة علاقات. هو بنية تحتية غير رسمية لقطاع بأكمله، قادر يوماً ما على أن يصبح بنيته التفاوضية الرسمية أمام الجهات التنظيمية والموردين والمستثمرين.
تنويه: ما يرد في هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب وحده، ولا يمثّل الموقف الرسمي لـجمعية ملاك المطاعم والمقاهي · لا يُعدّ توصية استثمارية أو قانونية